شمس الدين السخاوي

8

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

وفي الحديث : « إنّ أخوف ما أخاف عليكم : أن تفتح عليكم الدنيا كما فُتحت على الذين من قبلكم . . . » ، وفيه : « إن مما يُنبتُ الربيع ما يقتل حَبَطاً أو يُلِمّ » ( 1 ) . وذلك كثير شهير في الكتاب والسنَّة ، وسيأتي بعضه عند المصنف . - ما فيه من التعرض لطول الحساب في الآخرة ، وقد جاء : « إن حلالها حساب ، وحرامها عذاب » ( 2 ) ، والعاقل يعلم أن طول الحساب نوع من العذاب ، وأن سرعة الانصراف من الموقف إلى الجنة من أعظم المقاصد ، وإن المال صادٌّ عن ذلك . * متى يمدح المال ؟ ونازع آخرون في ذلك ؛ وقالوا عن الوجوه المذمومة السابقة : إنها حق ، وهذا النظر الذي نظرتم إليه إلى المال والدنيا هو نظر مجرد من الحكمة التي وضعت لها الدنيا ، من كونها متعرفاً للحق ، ومستحقاً للشكر الواضع لها ، بل إنما يعتبر فيها كونها كيساً ومقتنصاً للذات ، ومآلاً للشهوات ، انتظاماً في سلك البهائم ، وهذا ظاهر للعيان من هذه الجهة ، وهو على هذا الحال ، قشرٌ بلا لبٍّ ، ولعب بلا جد ، وباطل بلا حق ؛ لأن صاحب هذا النظر لم ينل منه إلا مأكولاً ، ومشروباً ، وملبوساً ، ومنكوحاً ، ومركوباً ، من غير زائد ، ثم يزول عن قريب ، فلا يبقى منه شيء ، فذلك كأضغاث أحلام ، وهذا هو نظر الكفار ( 3 ) أصالة ، وأما المؤمنون فهم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في « صحيحه » في كتاب الزكاة ( باب الصدقة على اليتامى ) ( رقم 1495 ) ، وكتاب الرقاق ( باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ) ( 6724 ) من حديث أبي سعيد الخدري . ( 2 ) سيأتي تخريجه في التعليق على رسالة المصنف . ( 3 ) أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أننا سنتبع سننهم - أعني : اليهود والنصارى - ، وهم منغمسون بالملذات ، وهذا واقع اليوم بلا دافع ، وهذه المضاهاة هي أخطر ما تصيب الأمة على الإطلاق ، وعدم معرفة ( فقه المفاضلة ) المذكورة يسبب ويلات على الأمة ، سلباً وإيجاباً ، ولذا فعزة أمتنا ورفعتها بتعلّم أحكام دينها ، والخطورة كل الخطورة في تناول الأحكام تناولاً أولياً من نص واحد ، وإهدار سائر النصوص ، أو عدم اعتبار ما جاءت به الشريعة من تحقيق مقاصد معتبرة ، وتأمل ما سيأتيك تجد مثالاً مهماً على هذا الإجمال ، والله المستعان .